محمد راغب الطباخ الحلبي
393
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
أحسن تدبير وساس جنده أحسن سياسة وتدبير ، وفرغ بال ميمون من كل ما يشغل به بال الأمراء وأقطع الأجناد إقطاعات رضوا بها وانصرفوا شاكرين له ، لم يعرف منذ تولى أمره إلى أن مات ميمون جندي اشتكى أو تألم . وكان وجيها عند ميمون المذكور يحترمه ويعظم شأنه ويتبرك بآرائه ، إلى أن مات ميمون في ليلة صبيحتها ثالث عشر رمضان سنة 610 فأقر الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين خزانته عليه وهو ملازم لبيته متشاغل بالعلم وتصنيف الكتب ، إلى أن احتاج ديوانه إليه فعول في إصلاحه عليه وهو مع ذلك مجتنب غير راض . ثم ساق ياقوت حكاية جرت له في القطر المصري وفصلا من إنشائه عن المقر الأشرف الملكي الظاهري عند رحيل عسكر الفرنج عن حصن الخوابي . وقال بعد ذلك : حدثني الصاحب الوزير الأكرم أدام اللّه تمكينه قال : ركبت يوما سنة 618 للطلوع إلى القلعة ، فاستقبلني رجل صعلوك فقال : انظر في حالي نظر اللّه إليك يوم ينظر إليه المتقون ، فقلت له : ما خبرك ؟ قال : أنا رجل صعلوك وكان لي دابة أسترزق عليها للعائلة ، فاتهمني الوالي بالجبّول بسرقة ملح فأخذ دابتي ثم طالبني بجباية ، فقلت : خذ الدابة ، فقال : قد أخذتها وأريد جباية أخرى ، فقلت له : أبشر بما يسرك . وطلعت إلى صاحب الأمر يومئذ وهو الأمير الكبير أتابك طغرل الظاهري وقلت : روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : ثلاثة أشياء مباحة للناس مشتركون فيها : الكلأ والماء والملح . وقد جرى كيت وكيت ، ولا يليق بمثلك وأنت عامة وقتك جالس على مصلاك مستقبل القبلة والسبحة في يدك أن تكون مثل هذه الأشياء في بلدك ، فقال : اكتب الساعة إلى جميع النواحي برفع الجبايات ومحو اسمها أصلا . وأمر الولاة أن يعملوا بكتاب اللّه وسنة رسوله ، ومن وجب عليه حد من الحدود الشرعية يقام فيه على الفور ولا يلتمس منه شيء آخر ، ومر الساعة بإراقة كل خمر في المدينة ورفع ضمانها ، واكتب إلى جميع النواحي التي تحت حكمي بمثل ذلك ، وأوعد من يخالف ذلك عقوبتنا في الدنيا عاجلا وعقوبة الخالق في الآخرة آجلا . فخرجت وجلست في الديوان وكتبت بيدي ولم أستعن بأحد من الكتاب في شيء من ذلك ثلاثة عشر كتابا إلى ولاة الأطراف . ثم أنشد : ولا تكتب بكفّك غير شيء * يسرّك في القيامة أن تراه وكان المحصول من ضمان ما أطلق ما مقداره مائتا ألف درهم في السنة ، وأن أضيف